إن هذه الجائحة الكورنية التي جلبت لعالمنا الكثير من المرض والحزن والمشاكل المادية والنفسية والاجتماعية قد تكون أيضا فرصة ذهبية لنتعود قراءة الكتب سواء الأدبية أو العلمية أو الفلسفية وذلك لسببين رئيسيين. فنحن الآن متباعدون اجتماعياً نقضي معظم أوقاتنا حبيسي البيوت. كما أننا في هذه الفترة في أمس الحاجة للقراءة ليس فقط للمعرفة والعلم، ولكن أيضاً لتعلم الحكمة والصبر في هذه الأوقات العصيبة كسلاحنا الرئيسي في مواجهة فيروس لا نستطيع أن نراه.

لقد تعودنا أن نسمع الكثير عن الإحصائيات المخيفة حول تدني مستوى القراءة لدى شعوبنا العربية وأن “أمة اقرأ لا تقرأ”. ونسمع أيضاً عن اختلافنا عن المجتمعات الأخرى حيث نرى الناس في دول كثيرة يقرؤون في كل مكان، في المطارات والقطارات وغرف الانتظار. وهذه ظاهرة خطيرة لها أسبابها المتعددة. وأظن أن أحد هذه الأسباب هو أننا أناسٌ اجتماعيون بطبيعتنا نحب الاجتماع وتناقل الحكاية والقصص شفوياً أكثر من كتابياً.

فمنذ قديم الزمان كانت القصة والخيال من أساسيات الحياة اليومية للعرب. فمثلاً كان الناس يحبون الاستماع للقصص والأشعار في ايام سوق عكاظ، وأيضاً ظهور الحكواتي الذي يروي قصصه الشيقة بينما يحتشد الناس للاستمتاع بحكاياته المسلية وبتفاعله مع جمهوره وتقليده اصوات وحركات الشخصيات التي يحاول تجسيدها بينما يسرد الاحداث المثيرة والغريبة والتي غالبا ما يكون المقصود منها نشر العبر وتشجيع المستمعين على مكارم الأخلاق والصبر والشجاعة والفضيلة والإيثار والتآخي بين البشر.

ويمكننا القول إن بداخل كل منا حكواتي صغير، أو ربما كبير! فهكذا نشأنا وتعودنا. ولكننا الآن أصبحنا متباعدون لحماية أنفسنا والآخرين من الفيروس القاتل ويلزمنا شيء يعوض هذا النقص الكبير في حياتنا.وأيضاً يجنبنا الإدمان على متابعة الأخبار وتقصي أعداد الإصابات والوفيات بشكل مستمر.

إن القراءة تمنحنا فرصة الإبحار في عوالم الخيال والقدرة على فهم الشخصيات ومشاعرها وطريقة تفكيرها. ويذكر بعض خبراء علم النفس أن الأشخاص الذي يقرؤون الكثير من الكتب الأدبية عادة ما يكونون أكثر هدوء في حياتهم اليومية وأكثر تفهم وتسامح في تعاملهم مع الآخرين وذلك لأنهم من خلال القراءة أصبحوا أكثر قدرة على التعبير عن أنفسهم وعلى تفهم مشاعر الآخرين مما يجنبهم الكثير من المشاكل. فبذلك تقوي قراءة الأدب الذكاء العاطفي ويساعد تناسي مشاكل الحياة ولو لفترة قصيرة. أي مثلما أصبحت السماء أكثر صفاء بسبب فيروس الكورونا، لنجعل عقولنا أكثر صفاءً بقراءة الروايات! والقراءة أيضاً تنشط الدماغ وتقوي الذاكرة.

ربما يعتقد البعض أن المسلسلات التلفزيونية والأفلام هي البديل. ولكني لا أظن ذلك.فبالرغم من أن تجسيد قصة أو رواية في فيلم أو مسلسل تلفزيوني يساعد على توصيل تلك القصة لعدد كبير من الناس دون حاجتهم للقيام بأي مجهود سوى الجلوس أمام شاشاتهم. لكن ذلك يحرمهم متعة الخيال وتحليل الشخصيات. ولذلك يرفض بعض الأدباء العالميين عن تحويل رواياتهم إلى أعمال درامية مرئية. على سبيل المثال أمضى المنتج السينمائي سكوت ستايندروف ثلاث سنواتٍ في محاولة إقناع الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل للأدب لتحويل روايته “الحب في زمن الكوليرا” إلى فيلم. يقول ماركيز “أنا أفضل أن يتخيل قارئ كتابي الشخصيات كما يحلو له. أن يرسم ملامحها مثلما يريد. أما عندما يشاهد الرواية على الشاشة فإن الشخصيات ستصبح ذات أشكال محددة هي أشكال الممثلين. وهي ليست تلك الشخصيات التي يمكن أن يتخيلها المرء أثناء القراءة.”

وقد يقول البعض إنه ليس لديهم الوقت للقراءة، وليس لديهم الصبر أيضاً. أو كما نقول بالعامية السورية “ما لي خلق عالقراءة!” ولهؤلاء أقترح البدء بقراءة بعض الصفحات يومياً من كتاب شيق جداً يجعلكم متشوقون لمعرفة ماذا سيحدث في نهاية القصة، حتى لو اضطررتم أن تقرؤوا كل ليلة لمدة ألف ليلة وليلة. كما أقترح أيضاً الاستماع إلى الكتب الصوتية فهي مسرح العقل الذي تحضره بمفردك ويعزل الضجة الخارجية من حولك. إنها تمنحك فرصة للراحة والاسترخاء وتجنب التحديق في شاشات الأجهزة المحمولة او التلفزيون. ويمكنك أيضاً الاستمتاع بالكتب الصوتية بينما تقوم بأعمال روتينية منزلية أو أثناء المشي والرياضة.

كما يجب علينا تربية الأطفال على محبة القراءة لإنقاذهم، والكبار أيضاً، من إدمان الأجهزة الإلكترونية. لنجعل الاستمتاع بقصص ما قبل النوم جزء أساسي من روتين حياتنا. ولنبدأ بالقراءة لأطفالنا من سن مبكرة جداً. هنا في بريطانيا ينصحون الأهالي بالقراءة لأطفالهم قبل الولادة حيث أن الجنين يسمع ويحس وهو في رحم أمه. وبالفعل أنا وزوجي كنا نقرأ لطفلنا قبل ولادته، وأيضاً اشترينا له الكثير من الكتب بعضها مصنوع من القماش أو الورق المقوى بحيث لا يمزقه الطفل بسهولة ولا يؤذي نفسه.

Canva - Woman Reading Book to Toddler

كل منّا يسعى لمستقبل أفضل له وأولاده، وبرأيي التعود على القراءة والشغف بالكتب هي خطوة مهمة جداً. لنقتني الكثير من الكتب سواءً الورقية أو الالكترونية أو المسموعة ونملأ بيوتنا ومكتباتنا بالكتب المتنوعة حتى لو لم يتسنى لنا قراءتها جميعها مباشرة. فهناك فائدة إضافية للكتب المكومة في مكتباتنا والتي لم نقرأها بعد. هذه الفائدة كما يذكر الكاتب اللبناني الأمريكي نسيم نيكولا طالب في كتابه “البجعة السوداء” هي أن رؤية الكتب التي لم نقرأها بعد، ما هي إلا تذكير بأنه مازال هناك الكثير من الأشياء التي نجهلها وذلك يعطينا جرعة مفيدة من التواضع وحافز قوي على مواصلة المطالعة.

كما أن الكتب هي جزء أساسي من تطور البشرية. حتى أن العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينج يقول في كتابه “إجابات مختصرة لأسئلة كبيرة” إننا لم نعد نعتمد فقط على عملية التطور الطبيعي التي تحدث عبر الأجيال من خلال الجينات والسمات الوراثية لتحسين قدرة الكائنات الحية على التكيف مع الحياة. فالكتب هي نتاج الإنسانية نُدون فيها معارفنا واكتشافاتنا والتحديات التي واجهتنا وتواجهنا لنشاركها ونستفيد منها جميعاً دون الحاجة لانتظار أزمنة طويلة لتنتقل هذه المعلومات عبر الحمض النووي، دي إن أيه.

وبالفعل ربما يكون فيروس كورونا وهذه الفترة الصعبة من التباعد الاجتماعي وإغلاق المدارس فرصة وضرورة ملحة لنعوض ما فاتنا، ولنتعود القراءة من جديد ونعود أولادنا أيضاً. أي كما نقول رب ضارة نافعة.

فردوس بحبوح

@FardousArabic

Leave a Reply